حذّر شادي إبراهيم، الباحث المشارك في مركز الإسلام والشؤون العالمية بجامعة صباح الدين زعيم في إسطنبول، من أن تعهد مصر بالدفاع عن السعودية في مواجهة هجمات الحوثيين في اليمن قد يجر القاهرة إلى مواجهة عسكرية محفوفة بالمخاطر، في ظل غياب أهداف واضحة للتدخل أو استراتيجية محددة للخروج منه، بينما تسعى الولايات المتحدة إلى الحد من انخراطها المباشر في الصراع، تاركةً للقوى الإقليمية تحمل جانب أكبر من تكاليفه وتداعياته.
وفي مقال رأي نشره موقع ميدل إيست آي، يرى إبراهيم أن أي تدخل عسكري مصري مباشر ضد الحوثيين قد يعرّض المصالح الاقتصادية والاستراتيجية المصرية لتهديدات واسعة، تمتد من قناة السويس وخط أنابيب سوميد إلى منشآت الطاقة ومرافق تخزين الوقود، فضلًا عن الأعباء المالية والعسكرية التي قد يتحملها المصريون دون نقاش عام كافٍ بشأن أهداف الحرب وحدودها.
قناة السويس ومنشآت الطاقة.. أهداف محتملة لتداعيات الحرب
يرى الكاتب أن القاهرة مطالبة بتقييم المخاطر التي قد تتعرض لها السفن المتجهة إلى قناة السويس، وخط أنابيب سوميد، ومحطات الطاقة ومرافق تخزين الوقود، إذا دخلت مصر في مواجهة مباشرة مع الحوثيين في اليمن.
ويوضح أن التداعيات المحتملة لن تقتصر على القوات المصرية المشاركة في العمليات العسكرية، بل قد تمتد إلى البنية التحتية التي تعتمد عليها مصر في توفير العملة الأجنبية وتأمين احتياجات اقتصادها.
ولا يحتاج الحوثيون، بحسب إبراهيم، إلى استهداف قناة السويس مباشرةً للإضرار بإيراداتها؛ إذ يمكن للتهديدات في المناطق الجنوبية من البحر الأحمر أن تدفع شركات الشحن إلى تجنب المرور عبر القناة، وترفع تكاليف النقل، وتجبر السفن على اتخاذ مسارات أطول.
وبذلك، قد تظل الملاحة عبر القناة ممكنة من الناحية الفنية، بينما تنتقل حركة السفن التي تمنحها قيمتها الاقتصادية إلى طرق بديلة.
لكن الكاتب يحذر من سيناريو أكثر خطورة يتمثل في شن هجمات مباشرة على السفن أو المنشآت المرتبطة بالقناة، وهو ما قد يؤدي إلى تعليق الملاحة بالكامل.
ويشدد على أن هذا الاحتمال يمثل خطرًا ينبغي دراسته، وليس دليلًا على وجود خطة مؤكدة لدى الحوثيين لتنفيذ مثل هذه الهجمات، أو ضمانًا لنجاحها. لكنه يشير إلى أن تعطيل الملاحة قد يخدم مصالح الحوثيين وإيران، من خلال عرقلة تحركات القطع البحرية الأمريكية والإسرائيلية بين البحر المتوسط والبحر الأحمر.
ويستشهد الكاتب بهجوم الطائرات المسيّرة الذي استهدف ناقلتي نفط في دمياط خلال يوليو 2026، وألحق بهما أضرارًا، معتبرًا أن الواقعة تكشف حجم الاضطرابات التي قد تواجهها مصر. ورغم أن المسؤولية عن الهجوم لا تزال غير محسومة، ولا يمكن الجزم بأنه كان رسالة من الحوثيين، فإن الحادث يوضح كيف يمكن للهجمات في المياه المصرية أن تهدد حركة الشحن وصادرات الطاقة والثقة في البنية التحتية البحرية.
ويضيف أن التدخل المصري المباشر قد يوسّع نطاق المخاطر ليشمل خط أنابيب سوميد، إلى جانب محطات الطاقة ومرافق تخزين الوقود المرتبطة به.
من يحدد حدود التدخل؟.. تعهدات القاهرة ومخاوف التصعيد العسكري
يشير إبراهيم إلى أن التجربة السعودية ينبغي أن تدفع القاهرة إلى التخلي عن أي افتراض بأن امتلاك الأسلحة المتطورة أو إقامة علاقات وثيقة مع الولايات المتحدة يضمن الحماية من الهجمات.
فالهجمات المتكررة التي استهدفت المطارات ومنشآت الطاقة السعودية كشفت، بحسب الكاتب، ثغرات في منظومة الدفاع السعودية، بينما قدمت واشنطن مساعدات استخباراتية ودعمًا في تحديد الأهداف، دون الاستجابة لطلبات الرياض شن ضربات أمريكية ضد الحوثيين.
ويرى أن هذه المعطيات تفسر حالة عدم اليقين المحيطة بالتعهد المصري الأخير بأمن السعودية، وتستدعي نقاشًا أوسع من مجرد التعبير عن التضامن بين البلدين.
ويعتبر إبراهيم أن خطاب رئيس الانقلاب عبد الفتاح السيسي الأخير، الذي تحدث فيه عن انتهاء ولايته في عام 2030 وإعداد قيادات مستقبلية عبر الأكاديمية العسكرية، صرف الانتباه عن احتمال أكثر إلحاحًا، وهو التزام مصر بتسخير قوتها العسكرية للدفاع عن السعودية.
وفي ظل القيود المفروضة على النقاش العام في مصر، يرى الكاتب أن هذا الغموض يكتسب أهمية خاصة، إذ يُطلب من المصريين التفكير في التزام عسكري خارجي جديد قبل توضيح أهدافه وحدوده وتكاليفه.
وفي 17 أكتوبر، طلب السيسي تفويضًا برلمانيًا للتحرك دفاعًا عن السعودية إذا طلبت ذلك، ثم أعلن مجلس الدفاع الوطني استعداده لتقديم كل أشكال الدعم اللازمة والممكنة.
لكن إبراهيم يؤكد أن هذه التصريحات لا تثبت دخول القوات المصرية إلى اليمن، مشددًا على ضرورة التدقيق في المسافة الفاصلة بين الدفاع عن الأراضي السعودية والانضمام إلى الحرب الدائرة داخل اليمن.
ويوضح أن مجلس الدفاع الوطني يؤدي دورًا محوريًا في القرارات المتعلقة بالحرب، لكنه لا يملك وحده صلاحية إعلانها. فبموجب المادة 152 من الدستور المصري، يتعين على الرئيس التشاور مع المجلس والحصول على موافقة ثلثي أعضاء مجلس النواب قبل إعلان الحرب أو إرسال القوات المسلحة في مهام قتالية خارج البلاد.
وفي حال غياب مجلس النواب، يشترط الدستور التشاور مع المجلس الأعلى للقوات المسلحة والحصول على موافقة مجلس الوزراء ومجلس الدفاع الوطني.
وكان المجلس قد أعلن، عقب اجتماعه في 18 أكتوبر، التزامه بدعم السعودية بالتوازي مع الجهود الدبلوماسية الرامية إلى خفض التوترات. وجاء الاجتماع عقب زيارة ولي العهد السعودي محمد بن سلمان إلى القاهرة في سبتمبر الماضي.
لكن البيان لم يحدد طبيعة أي مهمة قتالية أو موعد لنشر القوات، ولذلك لا يشكل وحده دليلًا على صدور قرار عملياتي نهائي أو استكمال الإجراءات الدستورية اللازمة.
ويشير الكاتب إلى أن تشكيل مجلس الدفاع الوطني، الذي يرأسه رئيس الجمهورية ويضم 14 عضوًا من كبار المسؤولين المدنيين والقادة العسكريين ورؤساء الأجهزة الاستخباراتية، يجعله ساحة أساسية لتقييم تداعيات التدخل.
ويمتد اختصاص المجلس من سياسات الدفاع والاستعداد العسكري إلى ميزانية القوات المسلحة والتنسيق بين مؤسسات الدولة. لكن سرية مداولاته تحول دون معرفة المخاطر التي ناقشها الأعضاء، أو ما إذا كانت تقديراتهم قد تباينت، أو حجم الرد الذي اعتبروه مقبولًا.
ولا يرى إبراهيم أن البرلمان المصري يمثل بالضرورة تعبيرًا مستقلًا عن إرادة المواطنين، في ظل نظام سياسي تهيمن عليه المؤسسات العسكرية والاستخباراتية. ويقول إن تركيبة البرلمان تعكس مصالح القوى المتحالفة مع النظام والتنافس بين المؤسسات الأمنية أكثر مما تعكس إرادة شعبية مستقلة.
ويخلص إلى أن المواطنين الذين سيتحملون الخسائر البشرية والاقتصادية للحرب غائبون عن نقاش لم يشاركوا في صياغة تفويضه، ولم تتح لهم فرصة التدقيق في أهدافه.
وفي تطور يعكس استمرار الجدل بشأن الدور المصري، أرجأ البرلمان، يوم الاثنين، التصويت على تقديم الدعم العسكري للسعودية إلى 26 أكتوبر، ما أطال أمد النقاش بشأن دور القاهرة في الصراع اليمني.
ويرى الكاتب أن التحفظات البرلمانية قد تعكس اختلافًا في تقدير تكاليف المهمة بين المؤسسات، لكنها لا تثبت وحدها حدوث انقسام داخل مجلس الدفاع الوطني أو القيادة العسكرية.
واشنطن وتل أبيب تقلّصان المخاطر.. ومصر تواجه فاتورة التدخل
يعود إبراهيم إلى تحليل سابق له، رأى فيه أن واشنطن وتل أبيب قد تجدَان في الابتعاد عن واجهة الصراع خيارًا مريحًا، يسمح لهما بالاحتفاظ بالنفوذ مع ترك الأطراف الإقليمية تتحمل التكاليف.
ويحذر من أن التدخل المصري قد يعزز هذا الترتيب، خصوصًا أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب طرح علنًا فكرة مطالبة تركيا بالتدخل، بينما واصلت واشنطن تقديم الدعم الاستخباراتي للسعودية، دون الموافقة على طلباتها شن ضربات ضد الحوثيين.
ويتساءل الكاتب عن الأسباب التي قد تدفع مصر إلى تعريض جنودها ومنشآتها للمخاطر التي تحاول القوى الأقوى الحد من تعرضها لها.
ويقر إبراهيم بأن السعودية تواجه مخاوف أمنية حقيقية، وأن لمصر مصالح مباشرة في حماية الملاحة بالبحر الأحمر، لكنه يؤكد أن هذين الاعتبارين لا يجعلان شن حملة عسكرية مصرية داخل اليمن أمرًا حتميًا.
ويحذر من أن مثل هذه الحملة قد تخدم المصالح الأمريكية والإسرائيلية عبر إضعاف الحوثيين، بينما تتحمل الجيوش الإقليمية جانبًا كبيرًا من الاستنزاف الناتج عنها.
ويلفت الكاتب إلى أن مصر بقيت خارج الاتفاق الدفاعي الذي جمع السعودية وتركيا وباكستان، لكنها تواجه الآن احتمال تحمل أعباء مماثلة عبر التزام منفصل. ويطرح تساؤلًا بشأن ما إذا كانت الأطراف الأخرى ستكتفي بأدوار مساندة، بينما تقترب القوات المصرية من خطوط المواجهة.
ويقدّر إبراهيم أن القوات الجوية والبحرية المصرية ستكونان، على الأرجح، أول أدوات التدخل المباشر، على أن يصبح نشر القوات البرية أو قوات العمليات الخاصة احتمالًا لاحقًا إذا تصاعدت المواجهة. لكنه يشدد على أن هذا السيناريو يظل مشروطًا بقرارات سياسية لم تُكشف تفاصيلها بعد.
وقد تشمل مهام الطائرات عمليات الاعتراض والمراقبة، وربما شن ضربات إذا صدر تفويض بذلك، فيما قد تتولى السفن الحربية حماية مسارات محددة ومرافقة السفن التجارية.
لكن استمرار الهجمات قد يدفع القادة العسكريين إلى المطالبة بتوسيع صلاحيات استهداف مواقع الحوثيين، والحصول على دعم استخباراتي أكبر، أو نشر أفراد على الأرض. وعندها، قد يُطرح إرسال القوات البرية وقوات العمليات الخاصة باعتباره حلًا لقصور المهمة التي بدأت تحت وصف التدخل المحدود.
ويرى الكاتب أن استنزاف القدرات العسكرية المصرية في اليمن قد يثير تساؤلات بشأن الأولويات الاستراتيجية، خصوصًا أن المؤسسة العسكرية المصرية تشكلت تاريخيًا في ظل الحروب مع إسرائيل، بينما تتطلب الأوضاع في السودان والقرن الإفريقي اهتمامًا متزايدًا.
ويحذر من أن وصف المهمة بأنها دفاعية لا يضمن تجنب التصعيد؛ فقد تميز القاهرة بين اعتراض صاروخ فوق الأراضي السعودية وقصف موقع إطلاقه، لكن الحوثيين قد يعتبرون العمليتين جزءًا من حملة عسكرية واحدة ضدهم.
وبالتالي، لا تستطيع مصر ضمان رد الخصم بمجرد تحديد طبيعة تدخلها أو وصف نواياها بأنها دفاعية.
ويطرح إبراهيم تساؤلًا بشأن الأولويات المصرية، في ظل استمرار تهديدات تمس المصالح الوطنية المباشرة، من بينها أزمة سد النهضة الإثيوبي الكبير والحرب في السودان، إلى جانب سيطرة إسرائيل على محور فيلادلفيا والاحتمالات المتعلقة بتهجير الفلسطينيين قسرًا إلى سيناء.
ويؤكد أن هذه الملفات تختلف في طبيعتها، لكن الاستعجال في الالتزام بالدفاع عن السعودية يستدعي التدقيق في أسباب التحفظ الذي تتبناه القاهرة تجاه تحديات أخرى أكثر ارتباطًا بأمنها القومي المباشر.
ويضيف أن هذا التباين لا يثبت وجود انقسام داخل المؤسسات المصرية، لكنه قد يفتح المجال أمام اختلافات في تقدير الأولويات الوطنية والمخاطر التي ينبغي قبولها.
أما على الصعيد الاقتصادي، فيحذر الكاتب من أن التكاليف النهائية قد تصل إلى الأسر المصرية عبر اضطراب الملاحة، وتراجع إيرادات النقد الأجنبي، وارتفاع فواتير الطاقة والواردات، بما قد يزيد التضخم وغلاء المعيشة، في وقت يواجه فيه المصريون بالفعل ضغوطًا متصاعدة على أسعار الغذاء.
ويخلص إبراهيم إلى أن المصريين سيتحملون فاتورة التدخل حتى لو لم تتطور الحملة إلى حرب برية طويلة الأمد؛ فالقرار قد يبدأ بإرسال الطائرات والسفن الحربية إلى الخارج، لكن تداعياته الاقتصادية والاجتماعية لن تبقى خارج الحدود.
ويختتم الكاتب تحليله بالتأكيد على أن التفوق العسكري لا يعوض غياب رؤية سياسية واضحة لنهاية الحرب، مستحضرًا تجربة التدخل المصري في اليمن خلال ستينيات القرن الماضي، حين تحول انتشار عسكري محدود إلى انخراط طويل الأمد، ارتفعت تكاليفه وصعب الخروج منه.
ورغم اختلاف الظروف الراهنة عن تلك المرحلة، يرى إبراهيم أن الدرس الأساسي لا يزال قائمًا: لا يمكن للقوة العسكرية أن تعوض غياب أهداف سياسية محددة أو استراتيجية واضحة للخروج من الصراع.
https://www.middleeasteye.net/opinion/yemen-war-why-egypts-vow-defend-saudi-arabia-risky-gamble

